الخميس، 24 سبتمبر 2009

في ذكرى الانفصال

رغم تزاحم الأحداث الأليمة التي تعصف بالأمة العربية وأقطارها، تبقى حركة الانفصال (28 أيلول 1961) التي اطاحت بأول تجربة وحدوية عربية بين مصر وسوريا (1958) حدثاً أليماً في الحياة العربية وتاريخها الحديث، اذا لم نقل انه الحدث الأخطر والأكثر تأثيراً على مسار المستقبل العربي


سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.... لأن مفاعيله السلبية لم تزل تخترق بنية المجتع العربي وتفتك بها.
ضرب الفكرة وأداتها
ليس من المبالغة في شيء القول، من حيث المبدأ، إن التأريخ لبداية الانحدار العربي الحديث يمكن ان تؤرخ بنجاح حركة الانفصال في القضاء على الوحدة وتفكيكها، وذلك لأسباب متعددة، منها على الأقل لسببين متداخلين:
السبب الأول يتمثل في ان حركة الانفصال نجحت في التشكيك بـ«الحلم العربي» الذي دغدغ شعور الملايين من العرب وسكن وجدانهم وحرّك مشاعرهم، وهدم الانفصال هذا الحلم في أرض الواقع، الأمر ثبت التجزئة ورسّخها.
إذا كانت القوى الاستعمارية قد فرضت تجزئة الأمة وتشكيل كياناتها السياسية قسراً خدمة لمصالحها وأهدافها... فإن حركة الانفصال قامت بالوظيفة ذاتها وقدمت الاتجاه التقسيمي ذاته، لكن بأيد عربية ـ داخلية، ما ولّد لاحقاً المزيد من الانهيارات العربية والقطرية، ونمّى النزعة الكيانية ومنطقها.
السبب الثاني يتمثل في ان من النتائج السلبية لحركة الانفصال أنها طالت مباشرة القوى الوحدوية ـ القومية بحد ذاتها فهزت صورتها وشوهت مقولاتها وكشفت اهتراءاتها، الأمر الذي حوّل القوة الوحدوية، بطريقة او بأخرى، الى أبواق وحدوية نسمع زعيقها ولا نستمتع بدقة نغماتها، او كطواحين نسمع قرقعتها ولا نلمس نتائجها المادية؟ مما فرّغ هذه القوى من صدقيتها الوحدوية، وحرّف اتجاهاتها، وخشّب منطقها، وأوقعها لاحقاً في المزيد من الانتكاسات والتخبط وأبعد عنها ناسها وجعلها عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من العلاقات التضامنية الكفيلة بمواجهة التجزئة وثقافتها.
من هنا تغدو حركة الانفصال حدثاً مصيرياً بامتياز في التاريخ العربي الحديث، كونها اصابت الفكرة وأدواتها.
الوعي الناقص
لذلك لم يعِ الكثير من القوميين العرب، وحتى الآن، سبب استمرار الانفصال ومفاعيله السلبية. فصبوا اهتماماتهم على متابعة العوامل الخارجية التي أدت الى ضرب الوحدة، وقلما نظروا الى العوامل الداخلية ـ المجتمعية التي نخرت في بنيان الدولة الوحدوية، او فكروا ملياً في موقع «الذات» ومسؤوليتها عما وصلنا اليه.
وعندما اتجه بعض القوميين باتجاه البحث عن العوامل الداخلية رصدوا فقط الأخطاء والمطبات التي وقع بها بعض المسؤولين المصريين في الاقليم الشمالي وعددوا المظالم التي لحقت بسوريا في عهد الوحدة، الأمر الذي حوّل النقاش حول أسباب الانفصال الى حلبة صراع نتبارى فيها بإلقاء التهم ليس تجاه الخارج، فقط كعدو تاريخي ودائم، بل ضد بعضنا البعض، الأمر الذي ساهم مثلاً في قطع التواصل بين القوى الناصرية وحزب البعث العربي الاشتراكي. فتحول النقاش بين الناصريين والبعثيين الى نوع من الحرب بين الأعداء فازدادت التفرقة وتعمق الخصام، وخسرت الوحدة أهم أركانها الذين أصبحوا أكثر شكوكاً عند تعاملهم مع بعضهم البعض، إذا لم نقل أكثر عنفاً تجاه بعضهم البعض. فضاع الكثير من الطاقات وحصدت الأمة المزيد من العنتريات والانتكاسات سواء على المستوى العربي او على مستوى الأقطار العربية.
في ظل هذا المناخ الذي خيم على لحظة الانفصال وساد على مدار السنوات التي اعقبته تعامى القوميون العرب عن متابعة الوحدة كفكرة وتجاهلوا البحث النظري فيها، الأمر الذي جمّدها وأبقاها على ما هي عليه. خاصة عند حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان سباقاً في إعطاء الفكرة الوحدوية مضمونها الاجتماعي ـ النضالي. فبقيت الفكرة رومانسية وإطلاقية فالأمة حقيقة خالدة، والوحدة معطى ثابت، والوصول الى دولة الوحدة الواحدة حقيقة راسخة، الأمر الذي جعل الفكر القومي «ثابتاً» جامداً متكلساً على معطياته البديهية من دون تجديد او تطوير. بل ان كل الاتجاهات والتيارات القومية والوحدوية استقرت على ما وضعه القائد المؤسس، او الزعيم الخالد او الرئيس المُنقذ، وكأن الحياة لم تتغير والظروف لم تتبدل، والانفصال لم يحدث.
كما ان الأطر التنظيمية التي حملت لواء الوحدة وفكرتها بقيت هي الأخرى على حالها من دون تبديل او تغيير او تحول. فازدادت حياتها الداخلية جموداً وترسخت في بنيانها المركزية الشديدة وغابت عن أطرها قواعد العمل الديموقراطي وثقافته...، الأمر الذي حوّل هذه التنظيمات الى نوع من «الثكنات العسكرية»، او «المعابد» السياسية المعصومة التي لا يطالها الباطل من أي جوانبها، ولا تقع في الأخطاء والعثرات، ولا تنطق إلا بالصواب ولا تقول إلا الحق ولا تعمل الى لخدمة الله وعباده...، الأمر الذي حوّل هذه القوى الى ادوات سلطوية تسلطية غلب عليها التمركز القطري وهمّ البقاء في الحكم رغم تعاظم صراخها الوحدوي واتساع مداه...
الوحدوي الانفصالي
ضمن هذا الفضاء الفكري والتنظيمي استمر الانفصال وانتصر، ولم يزل قوياً ثابتاً راسخاً، رغم كل الهتافات الموجهة ضده، ورغم كل الغزل بالوحدة وحتميتها. بل يمكن القول إن الانفصاليين قد تقاطعوا مع الوحدويين في تعميم منطق الانفصال وتدعيم بنيته وإعلاء بنيانه.
وقد لا نغالي القول إذا اشرنا الى ان غالبية القوى القومية وعلى اختلاف مشاربها الفكرية والمساحة الجغرافية المحددة لمجالها الوحدوي نجحت أكثر من الانفصاليين في تثبيت التجزئة وإجهاض فكرة الوحدة. ليس لأن هذه القوى الوحدوية فشلت في إعادة دولة الوحدة بعد الانفصال، بل لأنها لم تستفد من عِبَر الانفصال وأسباب نجاحه واستمرار منطقه وسلوكه. وللتدليل على ذلك فإن القوميين العرب عجزوا عن إحياء أي تجربة وحدوية كرد على الانفصال والمسار التقسيمي في الأمة وثقافته وآليات عمله.

0 التعليقات:

إرسال تعليق